الغزالي

21

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

أخرى ، ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام العانة وعظام العجز وعظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين ، فجملة عدد العظام في بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون عظما سوى العظام الصغيرة التي حشي بها خلل المفاصل ، فانظر كيف خلق الباري سبحانه وتعالى ذلك كله من نطفة رقيقة سخيفة ، والمقصود من ذكر أعدادها تعظيم مدبرها وخالقها وكيف خلقها وخالف بين أشكالها وخصها بهذا القدر المخصوص بحيث لو ازداد فيها واحد كان وبالا ، واحتاج الإنسان إلى قلعه ولو نقص منها واحد لاحتاج الإنسان إلى جبره فجعل سبحانه وتعالى في هذا الخلق عبرة لأولي الأبصار وآيات بينات على عظمته وجلاله بتقديرها وتصويرها . ثم انظر كيف خلق سبحانه آلات لتحريك العظام وهي العضلات . فخلق في بدن الإنسان خمسمائة وتسعة وعشرين عضلة ، والعضلة مركبة من لحم وعصب ورباط وأغشية وهي مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وحاجتها . فأربعة وعشرون منها لحركة العين وأجفانها بحيث لو نقصت منها واحدة اختل أمر العين ، وهكذا لكل عضو عضلات بعدد يخصه وقدر يوافقه ، وأما أمر الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين ومنابتها وسعتها ، فأعجب من هذا وشرحه يطول ، ثم عجائب ما فيه من المعاني والصفات التي لا تدرك بالحواس أعظم ، ثم انظر إلى ما شرف به وخص في خلقه بأنه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا ويستقبل الأمور بيديه وجوارحه ويمكنه العلاج والعمل ولم يخلق مكبوبا على وجهه كعدة من الحيوانات ، إذ لو كان كذلك لما استطاع هذه الأعمال ، ثم انظر من حيث الجملة إلى ظاهر هذا الإنسان وباطنه فتجده مصنوعا صنعة بحكمة تقضي منها العجب ، وقد جعل سبحانه أعضاءه تامة بالغذاء ، والغذاء منوال عليها . لكنه تبارك وتعالى قدرها بمقادير لا يتعداها ، بل يقف عندها ولا يزيد عليها ، فإنها لو تزايدت بتوالي الغذاء عليها لعظمت أبدان بني آدم وثقلت عن الحركة ، وعطلت عن الصناعات اللطيفة ولا تناولت من الغذاء ما يناسبها ، ومن اللباس كذلك ، ومن المساكن مثل ذلك ، وكان من بليغ الحكمة وحسن التدبير وقوفها على هذا الحد المقدر رحمة من اللّه ورفقا بخلقه ، فإذا وجدت هذا كله صنعه اللّه تعالى من قطرة ماء ، فما ظنك بصنعته في ملكوت السماوات والأرض وشمسها وقمرها وكواكبها وما حكمته في أقدارها وأشكالها وأعدادها وأوضاعها واجتماع بعضها ، وافتراق بعضها ، واختلاف صورها ، وتفاوت مشارقها ومغاربها . فلا تظن أن ذرة في السماوات والأرض وسائر علم اللّه ينفك عن حكم ، بل ذلك مشتمل على عجائب وحكم لا يحيط بجميعها إلا اللّه سبحانه وتعالى . ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها [ النازعات : 27 ] . إلى آخر ما نبه به ، وتأمل لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا للنطفة سمعا وبصرا وحياة لم يقدروا على ذلك ، فانظر كيف خلقها سبحانه في الأرحام ، وشكلها فأحسن تشكيلها ، وقدرها فأحسن تقديرها ، وصورها فأحسن تصويرها ، وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة ، فأحكم العظام في أرجائها وحسن أشكال أعضائها ، ورتب عروقها وأعصابها ودبر